غيّب الموت، اليوم الاثنين، مدير ديوان رئاسة الجمهورية، بوعلام بوعلام، بأحد المستشفيات المتخصصة في العاصمة السويسرية جنيف، بعد معاناة مع مرض عضال، بحسب ما أورده بيان رسمي لرئاسة الجمهورية نعت فيه الفقيد وأشادت بخصاله ومساره الحافل.
وبرحيل بوعلام بوعلام، تفقد الدولة الجزائرية واحداً من كبار رجالاتها الذين كرسوا حياتهم المهنية لخدمة الصالح العام، ورسّخوا مفاهيم الدولة المؤسساتية من خلال مسار استثنائي جمع بين صرامة القاضي ورؤية رجل الدولة المتمرس في إدارة الملفات السيادية.
عقيدة القانون.. التأسيس المتين لخدمة الدولة
تشكّلت الشخصية القيادية للراحل في أروقة العدالة، حيث تدرج في سلك القضاء متقلداً عدة مسؤوليات قضائية وقانونية نوعية. وقد أكسبه هذا التكوين الصلب عقيدة إدارية صارمة ترتكز على علوية القانون وحماية المؤسسات، مما أهّله للانتقال إلى هرم السلطة كأحد المراجع القانونية التي يُستند إليها في القضايا ذات البعد السيادي.
وفي رئاسة الجمهورية، لم يكن بوعلام بوعلام مجرد مسؤول تنفيذي، بل شغل موقع المستشار الذي تحظى آراؤه بتقدير عالٍ، حيث أُسندت إليه ملفات الشؤون القانونية والقضائية والعلاقات مع المؤسسات، ليكون مهندس التوازن والضامن لانسجام النصوص التشريعية مع التوجهات الكبرى للدولة.
رجل الثقة وإدارة الملفات الكبرى في قصر الرئاسة
تجلياً لمكانته وثقة قيادة البلاد في كفاءته، كُلف بوعلام بوعلام بتسيير مديرية ديوان رئاسة الجمهورية بالنيابة في نوفمبر 2023، قبل أن يتم تثبيته رسمياً بمرسوم رئاسي في جانفي 2024.
وفضلاً عن إدارته للديناميكية اليومية لقصر الرئاسة وتنسيق أداء أجهزة الدولة، برز الراحل كفاعل محوري في هندسة البناء المؤسساتي؛ حيث ترأس بتكليف رئاسي في جانفي الفارط من السنة الحالية 2026 أشغال الندوة الوطنية لمناقشة التعديلات الدستورية وقانون الانتخابات بحضور كبار مسؤولي الحكومة، متقدماً بعرض تأطيري يعكس حرص الدولة على نجاعة مؤسساتها وحماية حريات مواطنيها.
رؤية شاملة بين حماية الاستثمار والدبلوماسية المؤسساتية
لم تقتصر رؤية الفقيد رجلَ دولةٍ على التسيير الإداري، بل امتدت لتشمل دعم التحولات الاقتصادية؛ إذ تولى رئاسة “اللجنة الوطنية العليا للطعون المتعلقة بالاستثمار” منذ تنصيبها في مارس 2024، مظهراً حرصاً عالياً على تكريس دولة القانون في مجال الأعمال وإنصاف المتعاملين الاقتصاديين.
كما جسّد حضور الدولة الجزائرية في لقاءات مؤسساتية ودبلوماسية عالية المستوى، كان من بينها مباحثاته في أفريل 2026 مع وفد تشادي رفيع المستوى، حيث أدار هذه الملفات بحسّ دولة رفيع يجمع بين الحزم والدبلوماسية.
صمت الكبار.. أثرٌ يمتد عبر المؤسسات
عُرِف بوعلام بوعلام بالابتعاد عن الأضواء والعمل في صمت وتكتم، مقدماً نموذجاً لرجل الدولة الذي يفضل ثقل الإنجاز ونجاعة المعالجة على الظهور الإعلامي، خادماً لمؤسسات الجمهورية بوفاء وتجرد حتى أواخر أيام حياته.
رحل بوعلام بوعلام تاركاً خلفه رصيداً زاخراً بالمنجزات ومسيرة يُحتذى بها في الانضباط والوفاء للوطن، لتطوى برحيله صفحة رجل قانون وسياسة ترك بصمته قائمة في هيكل الدولة الجزائرية.
تغمد الله الفقيد بواسع رحمته ويسكنه فسيح جناته، وألهم أهله وذويه ورفاقه في خدمة الوطن جميل الصبر والسلوان.
**”إنا لله وإنا إليه راجعون”**







