هذا ما يستهلكه الجزائريون… وهذه الحلول لوقف نزيف التبذير
حذّر الوزير المنتدب الأسبق للاستشراف والإحصائيات ورئيس المؤسسة الجزائرية “صناعة الغد” بشير مصيطفى، من تنامي ظاهرة التبذير في السلوك الاستهلاكي للعائلات الجزائرية، مؤكداً أن منظومة دعم الأسعار المعتمدة منذ سنوات أصبحت عاملاً مشجعاً على الإفراط في الاستهلاك بدل ترشيده. وخلال مداخلته في ندوة علمية نظمها المجلس الإسلامي الأعلى تحت عنوان “ترشيد الاستهلاك في ضوء الشريعة الإسلامية”، أوضح مصيطفى أن عدد العائلات الجزائرية يقدّر بحوالي 9.8 مليون عائلة، وأن نمط استهلاكها يتسم بالإسراف في عدة مواد أساسية مدعّمة من طرف الدولة مثل الغذاء والطاقة والماء. أرقام تكشف حجم الاستهلاك وأشار المتحدث إلى أن مبلغ دعم أسعار المواد الغذائية في ميزانية الدولة لسنة 2026 بلغ نحو 5 مليارات دولار، أي ما يعادل 23 بالمائة من إجمالي ميزانية دعم العائلات، وهو دعم موجّه أساساً للسلع واسعة الاستهلاك التي تشهد تبذيراً كبيراً. وقدم مصيطفى مجموعة من الإحصائيات التي تبرز مستويات استهلاك الجزائريين، وجاءت على النحو التالي القمح يستهلك الفرد الجزائري في المتوسط 2.7 قنطار سنوياً، ما يجعل الجزائر تحتل المرتبة الثانية عربياً و11 عالمياً من حيث الاستهلاك. الماء يبلغ متوسط الاستهلاك اليومي للفرد نحو 430 لتر، 20 بالمائة منها مياه جوفية، وهو مستوى يهدد الأمن المائي إذا استمر على هذا المنوال. الحليب يقدّر الاستهلاك الفردي بـ145 لتر سنوياً، ما يرفع الاستهلاك الوطني إلى حوالي 4.5 مليار لتر سنوياً، جزء كبير منه يتم استيراده. السكر يصل الاستهلاك إلى 24 كلغ للفرد سنوياً، ما يرفع فاتورة الاستيراد إلى 2.5 مليون طن سنوياً، ويضع الجزائر في المرتبة الرابعة عالمياً. الزيت يقدّر الاستهلاك بحوالي 1600 طن يومياً، لتحتل الجزائر المرتبة الخامسة عالمياً في استهلاك هذه المادة. و تاتي اللحوم يبلغ متوسط استهلاك الفرد 15 كلغ سنوياً من اللحوم البيضاء، و18 كلغ من اللحوم الحمراء. وأكد مصيطفى أن هذه المؤشرات تعكس تحوّل التبذير إلى “ظاهرة اجتماعية” تهدد توازن السوق وميزانية الدولة على حد سواء، وهو ما يستدعي حسبه حلولاً عاجلة ومدروسة. حلول مقترحة لترشيد الاستهلاك واقترح رئيس مؤسسة “صناعة الغد” جملة من الإجراءات العملية للحد من الظاهرة، أبرزها تحيين سياسة الدعم، ودعا إلى تحرير تدريجي لأسعار المواد الغذائية الخاضعة للتبذير، إضافة إلى الطاقة والماء، وفق رؤية مدروسة تحمي القدرة الشرائية للمواطنين، وذلك عبر استحداث منحة مباشرة للعائلات تحت اسم “منحة المعيشة”. ويرى مصيطفى أن هذا الإجراء يمكن أن يوفر للخزينة العمومية ما يقارب 8 مليارات دولار سنوياً، باعتبار أن نحو 75 بالمائة من دعم الأسعار الحالي يذهب لغير مستحقيه. بالإضافة إلى إنشاء خلية لليقظة الاستهلاكية اين اقترح المتحدث إنشاء هيئة مشتركة بين عدة قطاعات وزارية، تكون مهمتها متابعة السلوك الاستهلاكي للعائلات إلى آفاق 2050، وتوفير بيانات مستقبلية دقيقة حول مؤشرات الاستهلاك، واقتراح حلول فنية فعالة لضبطه بما يضمن استدامة ميزانية الدعم، إلى جانب ضبط سياسات الإشهار. و شدد على ضرورة تقنين الإعلانات التجارية المتعلقة بالمواد الاستهلاكية، وكذا البرامج ومنشورات الطبخ في وسائل الإعلام، لما لها من تأثير مباشر على توجيه سلوك المستهلك وتشجيعه على الاستهلاك المفرط. نحو ثقافة استهلاك رشيد وختم مصيطفى مداخلته بالتأكيد على أن معالجة التبذير لا تقتصر على القرارات الاقتصادية فقط، بل تتطلب تغييراً ثقافياً واجتماعياً عميقاً يقوم على التوعية والتحسيس، وإشراك مختلف الفاعلين من مؤسسات رسمية ومجتمع مدني وإعلام، من أجل بناء نموذج استهلاكي عقلاني يراعي مصلحة الفرد والاقتصاد الوطني معاً.









